قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى أن شركة متخصصة في صناعة الإطارات تمنح تقييمات للمطاعم، لكن عند التعمق في القصة، يصبح الأمر منطقيًا أكثر مما نتخيل.
بدأت ميشلان مسيرتها في نهاية القرن التاسع عشر كشركة تهدف إلى تشجيع الناس على القيادة لمسافات أطول، وبالتالي استهلاك الإطارات بوتيرة أعلى. ومن هنا وُلد دليل ميشلان عام 1900، ليس كمرجع للطعام، بل كدليل سفر يقدّم للسائقين معلومات عن الطرق، محطات الوقود، أماكن الصيانة، والفنادق. لاحقًا، ومع ازدياد حركة السفر، أصبح الطعام جزءًا أساسيًا من تجربة الرحلة، فبدأ الدليل بتقييم المطاعم إلى أن تحولت “نجوم ميشلان” إلى أحد أعلى معايير الجودة في عالم الطهي.
اللافت أن نجاح ميشلان في هذا المجال لا يعود إلى خبرتها في الطعام بحد ذاته، بل إلى ما بنته عبر السنوات من سمعة قائمة على الدقة والموثوقية. الثقة التي منحها المستهلكون لإطارات ميشلان انتقلت بسلاسة إلى الدليل، فصار الناس يثقون بحكمه كما يثقون بمنتجاته الأساسية.
ما يبدو أحيانًا كتنوع عشوائي في أنشطة الشركات الكبرى، يكون في الواقع نتيجة تخطيط طويل الأمد. كثير من العلامات التجارية توسّع نطاقها عبر شركات تابعة أو مشاريع جانبية، لكن الرابط الحقيقي بينها ليس المنتج، بل القيمة التي تمثلها العلامة نفسها. في حالة ميشلان، هذه القيمة هي الثقة.
عندما نرى علامة تجارية تنجح في مجالات متباعدة ظاهريًا، فغالبًا ما يكون العامل المشترك هو وعد غير معلن للجمهور: أي قرار مرتبط بهذه العلامة سيكون آمنًا ومدروسًا. وهنا يصبح المنتج مجرد وسيلة، بينما تتحول الثقة إلى السلعة الأهم.